أحمد بن محمود السيواسي
17
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الْبَنُونَ ) [ 149 ] أي أتجعلون أوضع الجنسين له وأرفعهما لكم مع قدرته عليه ، ففيه تفضيل لأنفسكم على ربكم ، وهذا مما لا يقبله سليم العقل ، ثم زادهم التوبيخ فقال ( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ) [ 150 ] أي حاضرون حين خلقهم « 1 » إناثا فيجترؤون على ما يقولون ، وإنما خصهم بعلم المشاهدة استهزاء بهم وتجهيلا لهم ، أي ليس باخبار صادق ولا باستدلال صحيح فصرح بكذبهم بقوله ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ ) أي من أجل كذبهم ( لَيَقُولُونَ [ 151 ] وَلَدَ اللَّهُ ) بزعمهم الملائكة بنات اللّه ( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) [ 152 ] في قولهم للّه ولد الولد يعم الذكر والأنثى ، وفيه تجسيم له تعالى علوا كبيرا ، لأن الولادة مختصة بالأجسام ، وفي جعلهم الملائكة الذين هم أكرم خلق اللّه « 2 » إناثا استهانة شديدة ولو قيل لأدناهم فيك أنوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 153 إلى 158 ] أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 157 ) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) قوله ( أَصْطَفَى الْبَناتِ ) استفهام بمعنى الزجر والإنكار ، والأصل أاصطفى ، حذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام ، أي أاختار اللّه تعالى بالبنات ( عَلَى الْبَنِينَ [ 153 ] ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) [ 154 ] هذا الحكم الفاسد ارتدعوا عنه فإنه جور ، ومن قرأ بكسر الهمزة « 3 » جعله بدلا من قول الكفار ولد اللّه ( أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) [ 155 ] أي أفلا تتعظون فتمتنعوا عن ذلك القول ( أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ) [ 156 ] أي حجة واضحة أن للّه ولدا أو لكم عذر « 4 » بين في كتاب منزل إليكم ( فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 157 ] في مقالتكم ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ ) أي جعل مشركو مكة بين اللّه تعالى ( وَبَيْنَ الْجِنَّةِ ) وهم حي من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس ( نَسَباً ) أي نسبة جامعة له وللجنة بقولهم إنهم بنات اللّه تعالى ( وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ) أي الملائكة الذين قالوا لهم البنات ( إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) [ 158 ] النار ومعذبون فيها بما يقولون . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 159 إلى 160 ] سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 ) قوله ( سُبْحانَ اللَّهِ ) أي تنزيها له ( عن ما يَصِفُونَ ) [ 159 ] بأن له ولدا اعتراض « 5 » بين الاستثناء وبين ما وقع منه ، قوله ( إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) [ 160 ] استثناء منقطع من « محضرون » ، أي لكن عباد اللّه المخلصين من الشرك ناجون من النار ، قيل : هذه الآيات المتوالية في بطلان قولهم أن للّه ولدا صدرت عن سخط عظيم واستبعاد شديد له ونطقت بتسفيه أحلام قريش واستركاك عقولهم مع استهزاء وتهكم بهم « 6 » . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 161 إلى 163 ] فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) ( فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ) [ 161 ] أي مع « 7 » معبودكم يا أهل مكة ( ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) أي على اللّه ( بِفاتِنِينَ ) [ 162 ] أي بمضلين أحدا من الناس ، من فتن فلان على فلان امرأته ، أي أفسدها عليه ( إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ) [ 163 ] أي سيصلي النار في سابق علمه تعالى مفردا ، أصله صالى من الصلى وهو الدخول في النار . [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 164 ] وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) ثم أخبر جبرائيل أن لكل واحد منهم مقاما مختصا به بقوله ( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) [ 164 ] أي قال اللّه تعالى لجبرائيل بعد قولهم الملائكة بنات اللّه تكذيبا لهم قل يا جبرائيل لمحمد نحن معاشر الملائكة ما منا أحد إلا له
--> ( 1 ) خلقهم ، وي : خلقتهم ، ح . ( 2 ) عليه ، + و . ( 3 ) « اصطفى » قرأ أبو جعفر بوصل الهمزة فيسقطها في الدرج ويكسرها في الابتداء ، وغيره بهمزة قطع مفتوحة وصلا وابتداء . البدور الزاهرة ، 271 . ( 4 ) عذر ، ح و : - ي . ( 5 ) اعتراض ، وي : اعتراضا ، ح . ( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 7 ) مع ، وي : - ح .